/ الفَائِدَةُ : (169/ 436) /
24/07/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [لا حَصْرَ لِلْعِبَادَةِ فِي الثَّلَاثَةِ المَعْهُودَةِ: مِنْ التَّنْجِيزِ إِلَى الشُّهُودِ المَعْرِفِيِّ] [حَقِيقَةُ التَّدَيُّنِ بَيْنَ سَعَةِ المَرَاتِبِ الوَحْيَانِيَّةِ وَقُصُورِ القِرَاءَاتِ المَادِّيَّةِ] الْمُسْتَفَادُ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ : أَنَّ الدَّرَجَاتِ التَّعَبُّدِيَّةَ وَمَرَاتِبَ الْعِبَادَةِ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي النُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ ؛ مِنْهَا : أَوَّلًا : بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِلَهِي مَا عَبَدْتُكَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِكَ ، وَلَا طَمَعًا فِي ثَوَابِكَ ، وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ » (1). ثَانِيًا : بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا : « إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ ، وَإِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ ، وَإِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ» (2). وَهَذِهِ بَيَانَاتٌ وَحْيَانِيَّةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ أَوَّلِيَّةٌ ؛ وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي بَيَانِ الإِمَامِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي (مُنَاجَاةِ التَّائِبِينَ) خَمْسَةَ عَشَرَ طَوْرًا مِنْهَا ، وَهِيَ عِبَادَةٌ وَمُنَاجَاةٌ لِـ : التَّائِبِينَ ، وَالشَّاكِينَ ، وَالْخَائِفِينَ ، وَالرَّاجِينَ ، وَالرَّاغِبِينَ ، وَالشَّاكِرِينَ ، وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ ، وَالْمُرِيدِينَ ، وَالْمُحِبِّينَ ، وَالْمُتَوَسِّلِينَ ، وَالْمُفْتَقِرِينَ ، وَالْعَارِفِينَ ، وَالذَّاكِرِينَ ، وَالْمُعْتَصِمِينَ ، وَالزَّاهِدِينَ . فَهَذِهِ أَطْوَارُ عِبَادَاتٍ وَأَحْوَالٌ جَذَبَاتِيَّةٌ ، لَهَا تَرَنُّمَاتٌ رُوحِيَّةٌ ؛ تُنْشِئُ لِلْسَّالِكِ حَالَاتِ أُنْسٍ بِسَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ ، فَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّطَائِفِ النُّورَانِيَّةِ ، وَيَتَغَذَّى وَيَرْتَوِي وَيَقْتَرِنُ فِي الْعَوَالِمِ النُّورَانِيَّةِ (3) ، فِيمَا يَسْتَوْحِشُ مِنَ اللَّذَائِذِ الْبَهِيمِيَّةِ الْغَلِيظَةِ (4). وَلَكَ أَنْ تَقُولَ بَيَانًا لِذَلِكَ : إِنَّ لِلْتَكَالِيفِ الدِّينِيَّةِ فِي بَدَاءَاتِ الِالْتِزَامِ بِهَا شِدَّةً وَمَرَارَةً وَوُعُورَةً ، بَيْدَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالسَّالِكِ الْمُبْتَدِئِ ؛ أَمَّا مَنْ أَرْقَتْهُ الْمَعَارِجُ إِلَى المَرَاتِبِ وَالْطَبَقَاتِ الْعُلْيَا ، فَقَدْ غَدَتْ عِنْدَهُ جِنَانًا وَرَوْحًا وَرَيْحَانًا ، وَصَفَاءً وَنُورَانِيَّةً ، وَأُنْسًا وَتَلَأْلُؤًا وَتَشَعْشُعًا ، وَانْبِسَاطًا وَانْشِرَاحَ صَدْرٍ. وَمِنْ وَحْيِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، كَانَ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ يُخَاطِبُ بِلَالًا بِقَوْلِهِ : « يَا بِلَالُ ، أَقِمِ الصَّلَاةَ ، أَرِحْنَا بِهَا » (5) ؛ فَكَانَتْ رَاحَتُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) تَكْمُنُ فِي الصَّلَاةِ وَمَا شَاكَلَهَا مِنَ المَقَامَاتِ التَّعَبُّدِيَّةِ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْمَادَّةِ ؛ إِذْ تَنْحَصِرُ رَاحَتُهُمْ فِي النَّوْمِ وَالْمَلَاذِّ الشَّهَوِيَّةِ ؛ وَلِذَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْعَالِيَةُ ؛ مِنْ شَرْحِ الصَّدْرِ ، وَاللِّينِ ، وَالرَّأْفَةِ ، وَالرَّحْمَةِ ، وَالسِّلْمِ ، وَمَا يَمُتُّ إِلَيْهَا بِصِلَةٍ ؛ إِذْ إِنَّهَا مِنْ نَصِيبِ مَنْ خَضَعَ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ الْكَرِيمَةِ وَدَانَ بِهَا. وَمِنْهُ يَتَّضِحُ : فَسَادُ مَا تَخَرَّصَهُ الْمُثَقَّفُونَ وَالْعَلْمَانِيُّونَ وَالْغَرْبِيُّونَ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ ؛ مِنْ أَنَّ جَوْهَرَ الْعِبَادَةِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ إِكْرَاهًا ، وَفَرْضًا ، وَإِلْجَاءً ، وَقَسْرًا. وَبَنَاءً عَلَيْهِ : فَإِنَّ الشُّبُهَاتِ وَالْإِشْكَالَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا بَعْضُ المَحْسُوبِينَ عَلَى الْفِكْرِ وَالْفَلْسَفَةِ ضِدَّ الدِّينِ وَالتَّدَيُّنِ ـ سَوَاءٌ أَكَانَتْ تِلْكَ الشُّبُهَاتُ وَالْإِشْكَالَاتُ نَاظِرَةً إِلَى مَقَامِ الثُّبُوتِ أَمْ إِلَى مَقَامِ الْإِثْبَاتِ ـ إِذَا مَا تَأَمَّلَهَا الْبَاحِثُ الْمُنْصِفُ فِي ضَوْءِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ وَتَبَحَّرَ فِيهَا بِعُمْقٍ ؛ لَوَجَدَ أَنَّ مَرَدَّ تِلْكَ الْإِشْكَالَاتِ إِنَّمَا هُوَ الْقُصُورُ عَنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الدِّينِ كَمَا جَاءَتْ فِي نُصُوصِ التَّنْزِيلِ ، وَالِانْسِيَاقَ وَرَاءَ التَّصَوُّرَاتِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي رَسَمَهَا فَرِيقٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَجُمْلَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا رَسَمَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ ؛ كَالْمِيرْزَا النَّائِينِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) ؛ إِذْ إِنَّ مَفْهُومَ "الْحُجِّيَّةِ" ـ بِمَعْنَى كَوْنِهَا دَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ وَمَبْنًى لِلْتَّعَبُّدِ ـ عِنْدَهُ يُبْنَى عَلَى "الطَّرِيقِيَّةِ وَالْكَاشِفِيَّةِ" ، لا عَلَى مَحْضِ "التَّنْجِيزِ وَالتَّعْذِيرِ" ؛ وَمَقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّكِيزَةَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلْتَّعَبُّدِ فِي مَبْنٰاهُ هِيَ (الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ) ، لَا الْخَوْفُ مِنَ الْعِقَابِ وَالْفَرْضِ ، وَلَا الطَّمَعُ فِي الثَّوَابِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَفْتَحُ آفَاقًا جَدِيدَةً لِنَظَرِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَهَنْدَسَتِهَا ، وَيُؤَسِّسُ لِمَفْهُومٍ أَعْمَقَ لِلْتَّعَبُّدِ وَالتَّدَيُّنِ فِي الْفَضَاءِ الْمَعْرِفِيِّ ؛ بِحَيْثُ يُصْبِحُ التَّعَبُّدُ رَافِدًا لِتَوْسِعَةِ الْمَعَارِفِ وَتَرَامِي الآفَاقِ ، لَا سَبَبًا فِي ضِيقِهَا وَانْحِسَارِهَا ؛ فَتَغْدُو الْحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ خِلَافًا لِلصُّورَةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي انْطَبَعَتْ لَدَى فَرِيقٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 41: 14 / ح 4. (2) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ. (3) هَذِهِ تَعَابِيرُ وَارِدَةٌ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ. (4) وَيَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَى : أَنَّ اللَّذَائِذَ يُمكن للإِنْسَانُ مُقَارَفَتَهَا عَلَى نَحْوٍ غَلِيظٍ بَهِيمِيٍّ ظُلْمَانِيٍّ ، كَمَا يُمْكِنُهُ مُمَارَسَتُهَا عَلَى نَحْوٍ لَطِيفٍ نُورَانِيٍّ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ : الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ مَطَاعِمِ الدَّوَابِّ وَمَنَاكِحِهَا ـ إِذْ يَكْتَنِفُهَا التَّقَاذُفُ وَالْمَشَقَّةُ وَالْمُعَانَاةُ ـ وَبَيْنَ مَطَاعِمِ الْعَصَافِيرِ وَمَنَاكِحِهَا ؛ فَمَعَ أَنَّ كِلَا الْفِعْلَيْنِ يُصَنَّفَانِ فِي خَانَةِ الأَفْعَالِ الْحَيَوِيَّةِ الْبَهِيمِيَّةِ ، إِلَّا أَنَّهُمَا عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ فِي الْغِلَظِ وَالْوَحْشِيَّةِ ، أَوْ فِي اللَّطَافَةِ وَاللِّينِ وَالرَّهَافَةِ. (5) سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ : ٤٩٨٥.